غيم أسود

بواسطة rachid يوم الأربعاء، 18 أبريل، 2012 | 18:06

=================

        تلك البلدة المنكوبة بحريرها نكبت بوباء أيضا. قيل إنه الهواء الأصفر ، وقيل الطاعون ، وأكدآخرون فيما بعد أنه الجوع. انتشرت المجاعة في كل مكان . وانتشر الجرب فأصابتنا العدوى. ظهرت البثورعلى أجسامنا ، والتهبت بالحكة و تبقعت وجعلت الأم تذيب الملح وتدهننا.

        ذهبت يوما الى بيت المختار فطردوها. كان الزوج قد جن ، دخل غرفته وأغلق الباب نهائيا ، ولم يعد يسمح لأحد بالدخول عليه. كان يتناول طعامه من نافذة الغرفة ، ويغلقها بعد ذلك ، وحرم على الجميع ولوج عتبة الباب الذي غدا محجرا لمن فيه . ولم تستطع الأم أن ترى أختنا المحجورة.فعادت فارغة اليدين ، وبدا لها في نوبة من اليأس ، ألا مخرج لنا من ورطتنا وأننا ميتون لا محالة جوعا.

        كان الوقت عصرا ، وكان عصرا تشرينيا باردا . وقالت الأم : إن علينا أن نذهب إلى الحقول ونجمع من التخوم ومجاري المياه أنواعا من الحشائش ستدلنا عليها.

       رفضت البقاء في البيت ، فألبستني ثيابا شتوية ، وقمطت رأسي بمنديل وحملتيني ومضينا الى غدير قريب ومعنا سلة، وفي يد الأم و الأختين سكاكين . وهناك شرعن باقتلاع عشبة الحميضة التي جمعنا منها مقدارا كافيا . وعدنا الى البيت فغسلتها الأم وفرمتها ونحن نتحلق حولها . ولم نبرح الموقد الذي تسلقها عليه حتى استوت ، وسكبتها لنا في صحن كبير ، فاقبلنا عليها.

       هذه الوجبة الحشبشية كانت خدعة غدائية يائسة ، خلفت غثيانا في نفوسنا وإسهالا بلغ حد المرض برغم الملح الذي أكثرت منه الأم.

       ومع ذلك ، كان لا بد من هذا الحشيش ، وقد حسبت الأم أن الإسهال يزول بشرب الماء الساخن.حدثتنا وهي تطهوه لنا أنها تعرف مكانا ينبت فيه بكثرة ، وأنها ستقودنا في الصباح لجمع كمية كبيرة منه.  و في الصباح كنا على حالة من الاعياء بسبب القي والإسهال ، ألجأنا إلى الانكفاء في ركن البيت صفر الوجوه ، ذابلين كأغصان قطعت وألقيت في شمس تموز . وزاد في هلع الأم ذلك الورم الذي ظهر في وجوهنا وأطرافنا من جراء بثور الجرب.

      إن جسوم الأطفال ، حين ينهكها الضعف أو المرض،  تنقلب حيويتها الى أشلاء تستدر الإشفاق والجزع . لا يبقى عندئذ من الطفل سوى عينين تنظران بانكسار ولا مبالاة. يذبل وتنفرج شفتاه عن أسنانه ، ويكف عن الحركة ويلاحق صامتا أمه بنظرات مودعة ضارعة.

       كنا نحن أولئك الأ طفال...لقد أهزلنا الجوع  ، وهدنا الإسهال وتراخينا كأوراق مبللة. وعلى فراش في الزاوية تمددت ، ولم تلبث أختاي أن تكورتا قربي ،  وغطتنا الأم وأشعلت النار في  الموقد.

       لقد ازدادت الآن نحولا ، وفي الاستجابة إلى نداء الجسم المكود كان طبيعيا الاستسلام . لتأت النهاية على النحو الذي تريد . ياأيتها النسمة الباقية في الصدر اخرجي ودعينا . الحياة والموت يصبحان في وهن الجسم وهنا في الصراع . يكف الصراع ويلوح الموت حاملا ملاءة غيم أسود.

      ذلك الصباح كان غيم أسود ، كان برد.  وكنا شموعا صغيرة  ، أعقاب شموع صغيرة تنوس وتوشك أن تنطفىء. كان يكفي أن تغلق أمنا الباب ، وتأتي إلينا وتضطجع مثلنا ،  تاركة للغيمة أن تغمرها

وللراحة أن تشملها وللبيت الطيني أن يوارينا حتى يفطن إلينا من يوارينا.

حنا مينة ، بقايا صور ، دار الآداب ، بيروت ، الطبعة 2 ، 1978 . (بتصرف)

 

 

 

* التعريف بالكاتب : [ حنا مينة] 

مراحل من حياته :

أعماله :

- ولد في مدينة اللاذقية بسوريا سنة 1924
- اشتغل في عدة مهن قبل أن يصبح كاتبا (حمال – بحار- مصلح دراجات – حلاق- صحفي - …)
- بدأ حياته الأدبية بشكل متواضع ، حيث تدرج في كتابة الرسائل للجيران والعرائض للحكومة ، ثم انتقل لكتابة المقالات والأخبار في الصحف السورية واللبنانية ، ثم شرع بعد ذلك في كتابة القصص القصيرة.
- ساهم بشكل كبير في تأسيس اتحاد الكتاب العرب.
-حنا مينة أب لخمسة أولاد، بينهم صبيان، هما سليم، توفي في الخمسينيات، في ظروف النضال والحرمان والشقاء، والآخر سعد، أصغر أولاده ، وهو ممثل ناجح  الآن، شارك في بطولة المسلسل التلفزيوني (نهاية رجل شجاع) المأخوذة عن رواية والده ولديه ثلاث بنات: سلوى (طبيبة)، سوسن (تحمل شهادة الأدب الفرنسي)، وأمل (مهندسة مدنية)
- كتب الكثير من الروايات، معظمها يصف حياة البحارين في اللاذقية وصراعهم مع أخطار البحر.

- من أشهر رواياته :

"المصابيح الزرق" و"الشراع والعاصفة" و"الياطر" و"الأبنوسة البيضاء" و"حكاية بحار" و"نهاية رجل شجاع".


- له سيرة ذاتية بعنوان : “بقايا صور”  وهي التي اقتطف منها النص.

* ملاحظة النص واستكشافه :

1- العنوان : 

تركيبيا

معجميا

دلاليا

  مركب وصفي ينتمي إلى المجال السكاني يحمل عنوان النص عدة دلالات :
1- غيم أسود = السحاب المحمل بالأمطار    2 - غيم أسود = التلوث / الدخان   3- غيم أسود = الحزن والمعاناة

2- بداية النص : لم يتكرر فيها العنوان ، ورغم ذلك فهي تتضمن ألفاظا تنسجم في معناها مع الدلالة (3)  للعنوان (غيم أسود = الحزن والمعاناة) ومن أمثلة هذه الألفاظ : [ الجوع – الطاعون – الوباء ]

3- نهاية النص : نلاحظ فيها ما يلي :    -  تكرار العنوان  - السارد يحكي بضمير المتكلم مما يدل على أن النص سيرة ذاتية – انخفاض إيقاع السرد ومعه صوت السارد على خلاف بداية النص التي بدأ فيها الإيقاع مرتفعا وسريعا

             *** العلاقة بين بداية النص ونهايته هي علاقة سبب بنتيجة  [المجاعة-----------==-  الموت]

4- نوعية النص : النص مقطع من سيرة ذاتية ذو بعد سكاني واجتماعي

 

* فهم النص :

1- الإيضاح اللغوي :

- تبقعت : ظهرت فيها بقع     /         محجرا : محبسا و حاجزا مانعا         /        التخوم : الحدود الفاصلة بين الأراضي     /       غدير : مستنقع ، بركة ، قطعة من الماء يتركها السيل    /   الجزع : ضد الصبر     /   ضارعة :   متوسلة      /   المكدود : المتعب والمنهك

2- الحدث الرئيسي :

معاناة الأسرة بسبب الجوع والأمراض والأوبئة التي كادت أن تقضي عليهم.

 

* تحليل النص :

1- أحداث النص بوصفه سيرة ذاتية :

أ- وصف معاناة أسرة السارد بعد نكبة المجاعة التي أصابت البلدة

ب- خروج الأم مع أبنائها لجلب بعض الحشائش لإعداد وجبة تعتقد أنها علاج للمرض الذي أصيبوا به

ج- مرض الأطفال جراء تناولهم لتلك الوجبة الحشيشية

د- الاستسلام للمرض وانتظار الموت

*** ويمكن تلخيص أحداث النص في الجدول التالي :

عمليات التحول

 

حالة البداية

الحدث المحرك

العقدة

الحل

حالة النهاية

Ø

انتشار الأمراض والأوبئة والمجاعة إصابة الأسرة بالعدوى اللجوء إلى العلاج بالملح

Ø

Ø

Ø

خوف الأم على أبنائها من الموت جوعا الخروج لجلب بعض الحشائش

Ø

Ø

Ø

تفاقم مرض الأسرة بعد تناول الوجبة الحشيشية

Ø

الاستسلام وانتظار الموت

2- الشخصيات و أوصافها :

الشخصيات

الأوصاف الجسمية

الأوصاف النفسية

الأوصاف الاجتماعية

السارد

منهك – نحيل – ذابل… الحزن و الاستسلام الابن الأصغر بين أخواته (ألبستني / حملتني…)

الأم

Ø

يائسة / خائفة على أبنائها / حنونة…

Ø

المختار

Ø

غاضب ، متوتر ، خائف من الإصابة بالمرض(كان الزوج قد جن…)

Ø

الأخوات

-إحداهن محجورة في بيت المختار ، والأخريان أصيبتا بعد تناول عشبة الحميضة.. وتنطبق عليهما أوصاف السارد الجسمية (الإنهاك – النحول – الذبول…) الحزن و الاستسلام

Ø

3- نوع الرؤية السردية :

        * الرؤية مع أو الرؤية المصاحبة   [ السارد    =    الشخصية الرئيسية ]

4- إيقاع السرد :

            يبتدئ النص بإيقاع سريع في الحكي وذلك بهدف الإعلان عن العقدة والمصيبة التي حلت بالأسرة منذ البداية دون التوقف عند التفاصيل الكثيرة المرتبطة . لكن إيقاع السرد بدأ في الانخفاض التدريجي مع الاقتراب من نهاية النص ليصل إلى حد الخفوت ثم السكون في نهاية النص ، وذلك حتى ينسجم مع الاستسلام للموت الذي آل إليه حال الأسرة في نهاية النص.

5- الألفاظ والعبارات الدالة على معاناة الأسرة :

[ الطاعون – الجوع – العدوى – أهزلنا الجوع – ميتون لا محالة – المنكوبة – الضعف – نوبة من اليأس – الجزع – هلع الأم – الزوج قد جن – تنظر بانكسار…. ]

 

* التركيب والتقويم :

         يصور السارد من خلال هذا النص حال أسرته بعد المجاعة والأمراض التي أصابت بلدته وكادت أن تؤدي بحياته وحياة أسرته.. حيث ينقل إلينا مظاهر العدوى ، ولاسيما بعد تناول وجبة حشيشية أحالت جسومهم إلى أشلاء تثير الشفقة ، ولم يعد من حل أمامهم سوى الاستسلام وانتظار الموت.

         ولما كان النص ينتمي إلى المجال السكاني فهو يعالج ظاهرة سكانية تتمثل في المجاعة وما يترتب عنها من أمراض خطيرة قد تؤدي إلى الهلاك.

         على مستوى الأسلوب يمزج السارد بين السرد والوصف ، ويركز على الوصف خاصة لنقل صورة دقيقة بكل تقاصيلها الجزئية عن حالة الأسرة المنكوبة.. ولذلك نجد في النص العديد من الجمل الوصفية الرائعة ، وتتجلى ملامح الإبداع والبلاغة في هذه الجمل في كونها ليست مجرد وصف تقريري ولكنه وصف فني مليئ بالتشبيهات والمجازات والاستعارات. ومن أمثلته الجمل التالية :  

         [  ذابلين كأغصان قطعت و ألقيت في شمس تموز – تراخينا كأوراق مبللة – كنا شموعا صغيرة ، أعقاب شموع صغيرة - تنقلب حيويتها إلى أشلاء تستدر الإشفاق والجزع … ]

Print Friendly and PDF
شارك هذا الموضوع مع أصدقائك

28 التعليقات:

Umzug Wien يقول...

مشكووووووووووور .. تسلم ايديك

اخبار اليوم يقول...

موضوع رائع وممتاز جداا

taha elidrissi يقول...

مشكور أخي رشيد ودمت ولنا وللمدونة وإني أطلب من نشر تحليل القصيدة الشعرية "المواكب " + النص الوظيفي 3 رائحة الأرض " + الدرس اللغوي " التمييز" السنة الثانية اعدادي وجازاك الله خير الجزاء

rachid يقول...

انتظرني أخي طه .. قريبا سألبي طلبك
دمت وفيا للمدونة

السعيد يقول...

الشكر كل الشكر للأستاذ المقتدر رشيد

taha elidrissi يقول...

دمت أخي رشيد وفيا لنا وإننا مدينون لك بجزيل الشكر والامتنان

غير معرف يقول...

شكرا جزيلا و أطال الله عمرك

غير معرف يقول...

شكرااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا استاذ كنت فعلا بامس الحاجة الى هدا الموضوع

taha elidrissi يقول...

ما أروعك أخي رشيد !!!!!!!!

خديجة العمري يقول...

تحليلات بميزة جيد جدا

غير معرف يقول...

متشكرة على هدا الموضوع المستفاد منه

غير معرف يقول...

اشكرك يا اخي كثيرا لنشر هدا الموضوع المميز جدا

غير معرف يقول...

marciiiiiiiiiiiii beaucoup

غير معرف يقول...

je vous présente mes sincères salutations et remerciements

غير معرف يقول...

merci beaucoup pour ces informations

اللغة العربية بالثانوي الاعدادي يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم
أستاذي المحترم ، أود أن أشكرك على مجهوداتك المبذولة في هذا المنتدى الذي يستفيد منه الكثير. وأنا بدوري أنتظر جديدك دائما وأستفيد منها.
أستاذي في تحليلك لغيم أسود ، بدا لي أنك لم تقرأ رواية "بقايا صور" قلت إن أول المصابين هو الأب ثم الأخت فهذا خطأ فالأب في هذه الفترة كان في أنطاكية ( فهو يرحل في طلب الرزق ، لكنه يعود خائبا ليرحل خائبا من جديد وهو لا يفكر في مسؤولية تجاه أسرته) .
كان الزوج قد جن يقصد به المختار وهو صاحب المزرعة التي كانت أسرة حنا مينة تشتغل فيها كمرابعيا عنده تتولى الأسرة تربية دودة القز .
أما الأخت فكانت تشتغل عند المختار وعمرها 10 سنوات أخذها بالقوة لتسد ما على الأسرة من ديون بعد نكبة الحرير( حينما غزا حرير الهند أسواق سوريا واقبل عليه التجار منصرفين عن حرير سوريا فأصيبت الأسرة بخيبة الأمل ولم تبع شيئا). أتمنى أن أكون أفدتك قليلا
الأستاذة حسنية من فاس

rachid يقول...

أشكرك أختي الكريمة على هذا التنبيه..فعلا لم أقرأ السيرة الذاتية "بقايا صور".. وقد قمت بالتصويب
وإني إذ أشكرك ، أقول إن هذه هي الغاية التي من أجلها أنشأت هذه المدونة ..وهي أن يفيد بعضنا بعضا..فشكرا مرة أخرى على الإفادة..ودمت وفية للمدونة

اللغة العربية بالثانوي الاعدادي يقول...

المختار لم يصب بالوباء وإنما كان خائفا من أن يصاب كان مسوسا.(يرمز إلى السلطة، والجلاد والاقطاعية)
والأخت أيضا لم تصب بالوباء ولكنها كانت لا تخرج من البيت ، يمنعها المختار من رؤية أمها (ترمز إلى الضعف )

rachid يقول...

تم التصويب أختي الكريمة..
أرجو أن أكون قد وفقت هذه المرة
شكرا على الإفادة.

سميرة يقول...

السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته:
شكرا اخي رشيد على مجهوداتك الجبارة،ففعلا استفيد منهاو بشكل كبير،لاسيماو انا مبتدئة في ميدان التعليم.وفقني الله و اياكم الى تبليغ الرسالة الشريفة المنوطة بنا.و جزاك الله عنا الف خير.

MZlove يقول...

شكرا بارك الله فيكم عن المساعدة

MZlove يقول...

شكرا بارك الله فيكم على المساعدة

غير معرف يقول...

chokran baraka laho fika

غير معرف يقول...

شكرااااااااا

غير معرف يقول...

merci

غير معرف يقول...

a like it merci beucoup

غير معرف يقول...

T7lil da9i9 wa momayaz.merci

غير معرف يقول...

لا توجد جميع النصوص القرائية
المرجو إعادة النظر للهدا المشكل

إرسال تعليق

 
© 2011. مدونة اللغة العربية بالثانوي الإعدادي - جميع الحقوق محفوظة